بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

المرض الثانى: العُجْبُ

تعريفُه: قال القرطبيُّ رحِمه اللهُ: إعجابُ المرءِ بنفسِه هو ملاحظتُه لها بعينِ الكمالِ والاستحسانِ، مع نسيانِ منةِ اللهِ تعالى، فإن رفَعها على الغيرِ واحتقره فهو الكبرُ المذمومُ([1]).
والعجب من المهلكات وهو ذنب عظيم يجلب سخط الله سبحانه وعقابه
- عن أبى هريرةَ t قال: قال النبيُّ r: "بينما رجلٌ يمشي في حُلَّةٍ تعجبُه نفسُه، مرجِّلٌ جمتَه، إذ خسَف اللهُ به، فهو يتجلجلُ إلى يومِ القيامةِ"([2]).
- وقال مطرفٌ رحِمه اللهُ: لأن أبيتَ نائمًا وأصبحَ نادمًا أحبُّ إليَّ من أن أبيتَ قائمًا وأصبحَ معجبًا([3]) .
- وعن مسروقٍ رحِمه اللهُ قال: بحسبِ الرجلِ من العلمِ أن يخشَى اللهَ U، وبحسبِ الرجلِ من الجهلِ أن يُعجبَ بعلمِه([4]).وعن سفيانَ رحِمه اللهُ قال: قال رجلٌ لعائشةَ رضِي اللهُ عنها: متى أعلمُ أني محسنٌ؟ قالت: إذا ظننت أنك مسىءٌ. قال: فمتى أعلمُ أني مسىءٌ؟ قالت: إذا ظننت أنك محسنٌ([5]).
فالعُجب من الآفاتِ الخطيرةِ التي إذا أصابت طالبَ العلمِ أدَّت به إلى التكبرِ والغرورِ والإدلالِ بالأعمالِ واحتقارِ الناسِ وجحدِ حقوقِهم؛
- قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحِمه اللهُ: وكثيرًا ما يُقرنُ الرياءُ بالعُجبِ؛ فالرياءُ من بابِ الإشراكِ بالخلقِ، والعُجبُ من بابِ الإشراكِ بالنفسِ، وهذا حالُ المستكبرِ، فالمرائي لا يحققُ قولَه: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ [. والمعجبُ لا يحققُ قولَه: ] وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[. فمن حقَّق قولَه:
]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[. خرَج عن الرياءِ، ومن حقَّق قولَه: ] وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[. خرَج عن الإعجابِ ([6]).
- وقال أبو حامدٍ الغزاليُّ رحِمه اللهُ: اعلمْ أن العُجبَ مذمومٌ في كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه r ؛ قال اللهُ تعالى: ] وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا [ [التوبة:25]. ذكَر ذلك في معرضِ الإنكارِ، وقال U:] وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ [الحشر:2 ]. فردَّ على الكفارِ في إعجابِهم بحصونِهم وشوكتِهم، وقال تعالى: ] وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُون صُنْعًا[ [الكهف:104]. وهذا أيضًا يرجعُ إلى العُجبِ بالعملِ، وقد يعجبُ الإنسانُ بالعملِ وهو مخطئٌ فيه، كما يعجبُ بعملٍ هو مصيبٌ فيه ([7]).
-وقال رحِمه اللهُ: اعلمْ أن آفاتِ العُجبِ كثيرةٌ؛ فإن العجبَ يدعو إلى الكبرِ لأنه أحدُ أسبابِه، كما ذكرناه، فيتولدُ من العجبِ الكبرُ، ومن الكبرِ الآفاتُ الكثيرةُ التي لا تخفى، هذا مع العبادِ، وأما مع اللهِ تعالى فالعجبُ يدعو إلى نسيانِ الذنوبِ وإهمالِها، فبعضُ ذنوبِه لا يذكرُها ولا يتفقدُها لظنِّه أنه مستغنٍ عن تفقدِها، فينساها، وما يتذكرُه منها فيستصغرُه ولا يستعظمُه فلا يجتهدُ في تداركِه وتلافيه، بل يظنُّ أنه يغفرُ له، وأما العباداتُ والأعمالُ فإنه يستعظمُها ويتبجحُ بها، ويمنُّ على اللهِ بفعلِها، وينسى نعمةَ اللهِ عليه بالتوفيقِ والتمكينِ منها، ثم إذا عجِب بها عمِي عن آفاتِها، ومن لم يتفقدْ آفاتِ الأعمالِ كان أكثرُ سعيِه ضائعًا؛ فإن الأعمالَ الظاهرةَ إذا لم تكنْ خالصةً نقيةً عن الشوائبِ قلما تنفعُ، وإنما يتفقدُ من يغلبُ عليه الإشفاقُ والخوفُ دون العجبِ ([8]).
ومن أسبابِ ظهورِ العجبِ بين المنتسبين للعلمِ الشرعيِّ من العلماءِ وطلبةِ العلمِ قلةُ الورعِ والتقوى، و ضعفُ المراقبةِ للهِ U، أو قد يكونُ بسببِ مدحِ الناسِ للشخصِ وكثرةِ ثنائِهم عليه مما يعينُ عليه الشيطانُ، و يؤدي في النهايةِ إلى ظهورِ هذه الآفةِ الخطيرةِ وما ينجمُ عنها من احتقارِ الناسِ، و تصعيرِ الخدِّ، و الاختيالِ في المشيِ، و التفاخرِ بالعلمِ والمباهاةِ به، و التقليلِ من شأنِ العلماءِ، و الإصرارِ على الخطأِ، و التصدرِ قبلَ التأهلِ .
ومن أدويةِ العجبِ أن يعلم المعجب بنفسه أن علمه وذكائه وجودة ذهنه وفصاحته وغيرَ ذلك من النعمِ فضلٌ من اللهِ عليه وأبتلاء منه سبحانه  لينظر هل نشكر أم نكفر وهو قادرٌ على سلبِها منه في طرفةِ عينٍ، وما ذلك على اللهِ بعزيزٍ: ]أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ[ [الأعراف: 99].


([1]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 5/406 .
([2]) أخرجه أحمد (10869)، والبخاري (5789)، ومسلم (2088)، والنسائي فى الكبرى (9679)، وابن حبان (5684).
([3]) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (448)، وأحمد فى الزهد  ص241، والبغوى فى الجعديات (1892)، وأبو نعيم فى الحلية 2/200، وأبو بكر الدينورى فى المجالسة وجواهر العلم (2161) عن مطرف .
([4]) أخرجه ابن أبى شيبة (34876)، وأبو خيثمة فى كتاب العلم (15) -ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه57/429- عن مسروق.
([5]) أخرجه البخاري فى التاريخ الصغير1/38 من طريق سفيان، والسند فيه انقطاع كما هو واضح
([6]) مجموع الفتاوى10/277.
([7]) الإحياء 3/369.
([8]) الإحياء 3/370.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق